ابن عجيبة
356
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يطلبهم ، فقالوا : ليسوا هاهنا ، قال : ماذا في البيت ؟ قالوا : خنازير ، قال عيسى : كذلك يكونون ، ففتحوا الباب ، فإذاهم خنازير ، فهموا بقتله ، فهربت به أمه إلى مصر . قاله السّدى . ثم قال لهم : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فإن غير المؤمنين لا ينتفع بالمعجزات لعناده ، وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ أي : وجئتكم مصدقا للتوراة ، وشاهدا على صحتها ، وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ في شريعة موسى عليه السّلام كالشحوم والثروب « 1 » ولحم الإبل والعمل في السبت . وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة ، ولا يخل بكونه مصدقا له ، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته . فإن النسخ في الحقيقة : بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم . ثم قال لهم : ( و ) قد جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ واضحة مِنْ رَبِّكُمْ ، قد شاهدتموها بأعينكم ، فما بقي إلا عنادكم ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ولا تعبدوا معه سواه ، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لا عوج فيه . قال البيضاوي : أي : لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة ، فَاتَّقُوا اللَّهَ في المخالفة ، وَأَطِيعُونِ فيما أدعوكم إليه ، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل ، فقال : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ؛ أشار إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد ، وقال : فَاعْبُدُوهُ ؛ إشارة إلى استكمال القوة العملية بملازمة الطاعة ، التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي ، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة ، ونظيره : قوله عليه الصلاة والسلام : « قل آمنت باللّه ثم استقم » . الإشارة : كل من انقطع بكليته إلى مولاه ، وصدف عن حظوظه وهواه ، وأفنى شبابه في طاعة ربه ، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه ، تحققت له البشارة في العاجل والآجل ، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل ، ورزقه من فواكه العلوم ، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم ، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها ، فقربها إليه وتولاها ، وبشرها بالاصطفائية والتطهير ، وأمرها شكرا بالجد والتشمير ، ثم بشرها ثانيا بالولد النزيه والسيد النبيه ، روح اللّه وكلمة اللّه ، من غير أب ولا سبب ، ولا معالجة ولا تعب ، أمره بأمر اللّه ، يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن اللّه ، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من انقطع إلى اللّه كفاه اللّه كلّ مؤنة ، ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله اللّه تعالى إليها » .
--> ( 1 ) الثروب : جمع ثرب ، وهو شحم دقيق يغطى الكرش والأمعاء .